حوار أجراه محمد أمين بشيرباي
مع الروائي الجزائري "محمد مفلاح"
- تلميذ الروائي الكبير الطاهر وطار :"الكتابة حرقة وجودية لايخمد لهيبها إلا الموت, (موت الكاتب)"
يُعد الروائي الجزائري "محمد مفلاح" من بين أبرز الأقلام الأدبية التي شرع في الكتابة باللغة العربية منذ السبعينيات من القرن الماضي، وقد تميز بأعماله الأدبية في القصة القصيرة والمسرحية الإذاعية والرواية ، ومؤخرا بأبحاثه في تاريخ منطقة "غليزان" وتراثها الروحي، وأصدر إلى حد الآن خمس عشرة رواية إلى جانب ثلاث مجاميع قصصية وثماني أبحاث في التاريخ والتراث.
1 – كيف كانت بدايتك مع الكتابة؟
ج1- كانت بداية ملتبسة، ولم أفطن إلى رغبتي في الكتابة إلا بعدما تأثرتُ بقراءاتي المستمرة للقصة والرواية والمسرحية، وبما كانت تنشره جريدة الشعب الجزائرية والمجلات الأدبية ومنها آمال، وشيئا فشيئا تسلل سحر الكلمة إلى نفسي المتلهفة على مصاحبة الكتاب، وبدون أي توجيه من أي شخص ملتُ إلى الكتابة فكانت خرباشاتي الأولى وأنا طالب بمتوسطة خميتسي بغليزان، وقد جمعتها وقتذاك في كراسة ضخمة صفراء، وكانت مجرد حكايات وخواطر عن محيطي العائلي وبيئتي الاجتماعية، ثم تجرأتُ فأرسلتُ بعض كتاباتي إلى الجرائد والملاحق الأدبية، وقد سررتُ كثيرا لما رأيت بعضها منشورا، وكان أستاذنا الروائي الكبير الطاهر وطار أول من أخذ بيدي وشجعني على مواصلة الكتابة إذ نشر لي مقالاتي الأولى بملحق "الشعب الثقافي"، ثم فتح لي الكاتب الإعلامي بلقاسم بن عبد الله صفحات "النادي الأدبي" التي احتضنت بعض قصصي القصيرة وفصولا من رواياتي قبل صدورها بالمؤسسة الوطنية للكتاب.
2 - كيف تفسر إقبال القراء على مطالعة الرواية أكثر، مقارنة بغيرها من الكتابات الأخرى؟
ج2- رياح التغيير التي هبت على كل المجتمعات العربية منذ بداية النهضة، والتي أرغمتها على دخول عالم الحداثة وبخاصة الأخذ بالثقافة المعاصرة ومنها الكتابات الروائية التي تحتل الآن مساحة معتبرة في الحقل الثقافي، وقد أصبحت هذه الكتابات الإبداعية تتطرق إلى موضوعات وقضايا من واقعنا المتشابك، وبطرح جديد وجريء، مزاحمة بذلك الخطابات التقليدية المنغلقة وهي في أغلبها غير مواكبة لروح هذا العصر. ويبدو لي أن القارئ المتفتح قد تفطن إلى هذه الحقيقة فمال إلى مطالعة الرواية.
3 - ألا تعتقد أن التاريخ أولى بالقراءة؟
ج3- كل إنسان في حاجة إلى معرفة تاريخ بلدته ووطنه والعالم كله، لينفذ إلى عمق واقعه، وفي نيته أن يشكل زادا معرفيا يواجه الآتي، وقد كان القارئ في الماضي يلجأ إلى كتب التاريخ فقط للتحصيل على هذه المعرفة، ولكن الرواية اكتسحت هذا المجال بعدما اهتم الأدباء بالتراث ومعالم الذاكرة، واليوم إذا أردت التعرف على أي مجتمع فاقرأ أدبه، أنا شخصيا شكلت رأيا مهما عن المجتمع الروسي من خلال أعمال تولستوي، وديستويسفكي، وتشيكوف، وتعرفتُ على قارة أمريكا بعد اطلاعي على أدب شتابيك، وفوكنر، وغارسيا مركيز.. وروايات نجيب محفوظ تغني القارئ عن قراءة كتب التاريخ عن مصر، وبالنسبة إلى الجزائر فتاريخها تجده في روايات محمد ديب، وفرعون، ومعمري، وكاتب ياسن، وآسيا جبار، والطاهر وطار، وعبدالحميد بن هدوقة، وأدب الأجيال الحالية التي تكتب واقع الجزائر وذاكرتها.
4- بعد المؤلفات العديدة التي نشرت لك خلال أربعين سنة من العطاء، فهل حققت طموحك أي وصلت قمة ما ترغب فيه؟
ج4- الكاتب الموهوب الجاد لا يشعر بأنه حقق طموحه من وراء ما نشر من مؤلفات حتى وإن نال عنها جائزة دولية، لأن الكتابة حرقة وجودية لايخمد لهيبها إلا الموت، موت الكاتب. وبالنسبة إلي، أشعر بأن هذه الحرقة تزداد اشتعالا كلما أنهيتُ عملا إبداعيا، لأنني لم أرض يوما على ما أنجزته، وأتمنى أن أكتب ما يتجاوز كل ما نشرته إلى حد الساعة.
5- ما موقفك من المسابقات والجوائز؟
ج5- الجوائز مهمة لإنعاش الحياة الثقافية، وهي التفافتة طيبة إلى الأعمال الإبداعية المتميزة وتكريم جميل لجهود الموهوبين، ولكن الجوائز ليست هدفا يسعى إليه الكاتب، أما إذا صارت الجوائز هي الهدف فأعلم أن هذا الكاتب واهم، لأن مهمته الأولى في هذه الحياة هي الكتابة والكتابة فقط.
وبالنسبة إلي، فقد نلت في شبابي جائزتين وطنيتين عن روايتي "الانفجار" سنة 1982، و"هموم الزمن الفلاقي" سنة 1984، وبعد ذلك لم أشارك في أي مسابقة وطنية أو عربية، لأنني صرت متحمسا أكثر لشيء واحد وهو الكتابة.
6 - ما الهدف الذي تؤمن به من خلال كتاباتك الأدبية؟
ج6- للأعمال الإبداعية أهمية كبيرة في حياة الإنسان، ومنها الرواية التي صارت بحق ديوان هذا العصر، فهي كفن تلبي حاجة الإنسان إلى الجمال، وهي كمصدر للمعرفة تتسع لكل تساؤلات الفكر والنفس، وعالم لاحدود له لكل المعارف.
7 -تشهد الساحة الثقافية حركة أدبية بزرت فيها مواهب شبابية، فما رأيك في هذه الظاهرة؟
ج7- الجيل الجديد نشأ في جو مفتوح على كل معارف العالم الحالي، وقد سمحت له الظروف ومخترعات العصر أن يدرك أهمية الرواية في حياة المجتمع، فانخرط في هذا المسعى.. وهذه الحركة الحيوية ظاهرة إيجابية، وهي قادرة على العطاء والتميز بما تملكه من معارف وإمكانات لم تكن متوفرة في زمن المؤسسين من الروائيين والأجيال التي واصلت الجهود في هذا الجنس الأدبي.
والمعلوم أن الشاب الموهوب سيثبت أمام كل الصعوبات التي تعرض طريقه، أما الباحث عن الشهرة والمنافع الآنية فهو بلا ريب أخطأ الطريق وقد توهم شيئا من وراء الكتابة التي لم ينل منها في نهاية المطاف إلا قرحة في المعدة.
8 - كيف ترى دور المجلس الوطني للآداب والفنون، وما هي الإجراءات التي تراها ضرورية لخدمة الكتاب في الجزائر؟
ج8- إن قضية الكتاب في الجزائر، تتجاوز المجلس الوطني للآداب والفنون، لارتباطها بعوامل كثيرة ومنها ذهنية مجتمعنا ونظرته إلى الكتاب ودوره التثقيفي، ومجتمعنا لا يعده حتى من الكماليات، فالفقيه في ذهنيتنا هو أنفع من كل الكتب بما فيها كتب المفكرين المسلمين.
وإذا لم تنخرط كل مؤسسات الدولة في عملية "تثمين" الكتاب حتى يتبوأ مكانته المتميزة في حياتنا العامة، وبخاصة في المدرسة التي يجب أن تعطي كل الأهمية للكتاب ومؤلفيه، وللأسف لا نجد اليوم ذكرا للعديد من المبدعين الجزائريين في البرامج الدراسية.
9 - بحكم اهتمامك بالتاريخ الجزائري وبأبعاده المتعددة، فكيف ...إذا قيل لك أن الجزائر عربية وليس أمازيغية وما ردك إذا قيل لك العكس ؟
ج9- من يقرأ "كتاب العبر" للعلامة ابن خلدون، ومؤلفات المؤرخين المغاربة ومنهم الحفاظ أبوراس الناصر المعسكري، لا يجد فيها ما يثير هذا التساؤل المتعلق بالهوية. فالانتماء إلى الفضاء الحضاري العربي الإسلامي كان مصدر فخر لكل سكان الجزائر (المغرب الأوسط) الذين كانوا في الوقت نفسه يعتزون بتاريخ صنهاجة وزنانة بكل بطونها التي أسست الدول وأسهمت في الحضارة العربية الإسلامية بإنجازات علمائها الكبار. ولم يظهر هذا الانفصال الذي ذكرته في سؤالك إلا في زمن الدراسات الكولونيالية العنصرية.
10 -حسناً ـ هل ترى أن النخبة المثقفة في الجزائر تقوم بدورها التاريخي في مجتمعنا الذي يشهد تحولات كبرى؟
ج10- النخبة المثقفة لا تشكل كتلة واحدة موحدة منسجمة، فلكل مثقف مواقفه المبدئية ورؤيته في القيام بدوره في المجتمع. وأعتقد أن المثقفين في خضم التحولات الحالية يجتهدون لأداء ما يرونه ملائما للمرحلة التاريخية، ولكني أرى أن هذا الأداء سيظل ضعيفا بسبب غياب المنابر التي تسمح للنخب أن تصدح بآرائها وأفكارها.
11 - في ظل ما تعيشه الجزائر اقتصاديا، فهل من الحكمة أن يمس التقشف قطاع الثقافة ؟
ج11- الثقافة لا يصنعها إلا المجتمع الحر القادر على العطاء والإبداع، وحين تتجلى في فضاء المجتمع تصبح مؤسسات الدولة مرغمة على تبني المواهب والمبادرات الفاعلة والانجازات الإبداعية، أما صرف الأموال على التظاهرات الظرفية فلا ولن تنتج ثقافة حية تسري في شرايين الإنسان وتغذي ذاكرته.
12 - بمَ تنصح الشباب الذي دخل عالم الإبداع الأدبي؟
ج12- أرى أن المعرفة بمعناه العميق، هي البيت الذي يسكنه كل أديب موهوب لممارسة الكتابة، لذا تظل المطالعة الواعية أكثر من ضرورية لكل أديب يعاني الحرقة الكتابة، وبعد ذلك يأتي. بذل الجهد ومواصلته لتحسين أدوات الكتابة، ولي نصيحة أخرى أفادني بها الروائي الطاهر وطار وهي الصبر على المشاق والتريث في الظهور.
ولاية غليزان: 14 أكتوبر 2015.

ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق